حيدر حب الله

94

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ) ، و ( مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) ، و ( فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) ، و ( فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) ، وكذا الآية الأخيرة التي تتحدّث عن الرّد بالمثل و . . هذا السياق واضح في الدفاعية ، لا أقلّ من أنّه يعيق استظهار الابتدائية إعاقةً تامة ، مما يبعّد الفرضية الأولى في التفسير لصالح الفرضية الرابعة أو الخامسة ، كما هو واضح ، علماً أن جعل الفتنة أشدّ من القتل واضح في أنه لو جعلوكم تتركون دينكم فهذا أشدّ من قتلهم لكم أو قتلكم لهم ، ويساعد عليه قوله تعالى : ( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ) ( المائدة : 49 ) ؛ وكذلك قوله تعالى : ( وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا . . . ) ( البقرة : 217 ) . كما يؤيده ما رواه البخاري بإسناده عن ابن عمر ، لما ذكرت له الآية قال : « فعلنا على عهد رسول الله وكان الإسلام قليلًا ، فكان الرجل يفتن في دينه ، إما قتلوه وإما يعذبوه ، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة . . . » « 1 » ، فقد فهم ابن عمر من الفتنة ما فهمناه منها واستشهدنا له بكلمة الفتنة في القرآن الكريم ، وهذا ما يربط الجهاد في الإسلام بالحرية الدينية ببعض أنواع الربط ، وسيأتي الحديث عن ذلك قريباً . نعم ، هذا السياق حضوره في آية سورة الأنفال غير بارز بالدرجة عينها في آية سورة البقرة ، وهي - آية الأنفال - التي تشتمل على إضافة قيد « كلّه » ، الذي يعزّز الفرضية الأولى ، وهذا ما يجعل الفرضية الأولى أقرب في الآية الثانية ، غايته أنّه لا يوجد دليل لغوي معتدّ به لصالح تفسير الفتنة بالكفر أو الشرك ، لا سيما مع استخدامات القرآن المتقدمة لتعبير الفتنة ، مضافاً إلى أنّ كلمة « كلُّه » قد يراد منها

--> ( 1 ) انظر : صحيح البخاري 5 : 157 ، 200 ، و 8 : 95 ؛ وانظر نحو هذا الخبر مما يفيد فهم هذا الأمر منهم : سنن ابن ماجة 2 : 1296 .